بومارطو.. بيكور..

بومارطو.. بيكور..


الاستهداف المتكرر لعارية عين الفوراة، ليس حدثا عارضا لمعروض، ولا حادثا معزولا لمرفوض، إنه تجلٍّ لثقافتين متصارعتين في شكل ذهنيتين متصالبتين. ذهنية متحجرة، صنمية، مقدسة ومتكدسة.. وذهنية متفجرة، تعددية مدنسة مترجسة، (بعيدا عما إذا كانت هذه النعوت صحيحة أم خاطئة). كل طرف يرى الآخر بهذا المنظار: هذا بومارطو، وذلك بسماطتو.. والصامط يغلب القبيح.. ولسنا نعرف من هو القبيح ومن هو الصامت ومن المليح ومن هو الصامت فينا. الكل يحاول أن تكون له الغلبة: بالقوة القانونية أو بقوة المارطو.
هي إذن مسألة ثقافة وفكر واعتقاد وذهنية في آخر المطاف لا يلام عليها الفرد، بل المجتمع. تلام عليها التنشئة الاجتماعية والظروف التي أنتجت فكر بومارطو التي أنتجت فكر أنا هو الكل في “tous”..
ما حدث ويحدث من اعتداء متكرر على “امرأة عارية مسكينة محترمة يحترمها الناس من زمان” في هذه العين المقدسة أمام المسجد والكنيسة كما أرادت ذلك فرنسا يوم تثبيت هذه المخلوقة في هذا المكان، سيتكرر. السبب هو الاحتقان. سيقول الكثير: لماذا لم يحدث هذا من قبل؟ ولماذا اليوم فقط؟ هذا صحيح، لأن الاحتقان ماشي ويتمدد وماشي ويتعدد. الاحتقان الشامل من شأنه أن يحول الأنظار إلى الحجر والشجر بعدما عجز الإنسان “المتحجر” عن التغيير والنهي عن المنكر. بومارطو، يرى نفسه أنه مستهدف في دينه وأخلاقه وعرضه وشرفه. ولكونه لم يتمكن من تغيير الواقع بناء على المعايير التي يختزنها في عقله ـ حتى ولو كان ليس له عقل ـ إذ نلاحظ أن كل مرة يحدث فيها الحادث، يرمى الفاعل بالاختلال العقلي. هو ليس خللا في العقل، بل في العقل المضاد، لأنه يرى الأشياء بمعايير مختلفة. لهذا فالمسألة فيها نظر في وجهات النظر. المسألة في حاجة إلى تنمية عقلية وحوار بين العقليتين لا مطاردة ومحاولة سحق كل طرف لطرف على أن كل طرف يرى أنه يملك الحقيقة والأحقية في التغيير أو التثبيت.
وجدت نفسي أنام على وقع الحادث المتكرر، مكلفا بحل هذا المشكلة نهائيا. ماذا فعلت؟ كلفنا شركة فرنسية باستنساخ التمثال وتوزيعه على كل البلديات وبناء عين فوارة في كل بلدية.. واللي بغا يطرطق يطرطق. لكن بالمقابل، ماذا حدث؟ انتعشت البلديات بمقاولين ومرممين لإعادة ترميم التماثيل إثر كل اعتداء. كما سن قانون يمنع الاعتداء على النساء “المتحجرات”.. وضربهن في البيوت.. ما عليهش. أصحاب الشكارة قاموا باستثمارات في صناعة المارطويات والسيزويات والفؤوس والمعاول والمثاقب والمارطو… بيكور. بنية المساهمة في التنمية المحلية: هذا يهرس وهذا يبني، وهذا يحفر وهذا يردم.. لنكون بذلك قد قمنا بسياسة تنمية دائرية: الدوران في الفراغ حول الذات.. بحثا عن أنفسنا من نحن وشكون هما أحنا؟..
هذه الفكرة أسالت اللعاب خاصة لأصحاب المعاول والمارطويات: البعض اقترح علينا أن نستفز أكثر الناس المحافظين بنحت نساء أخريات على نفس الوضعية ولكن بالألوان الطبيعية حتى تبدو مفاتنهن أكثر وتثير الانتباه.. وتكون ناطقة وتغني أيضا بوضع نظام إلكتروني داخلها حتى يشعر الناس بأنهم في حفل.. كان هناك اعتراض على الفكرة، ليس لأن الفكرة سيئة، بل لأن المسألة عويصة تكنولوجيا، ولا تبقي على صورة المرأة العارية الفرنسية التقليدية المقدسة المدنسة.. المهرسة.
وأخيرا، لم يقبل المشروع، بسبب تعنت أصحاب المال الذين أرادوا أن يبنوا بجانب كل بلدية فوراة.. نافورات فوراة.. فورا.. تكون البلدية هي من تدفع تكاليف الماء والكهرباء والبناء والهدم.

The post بومارطو.. بيكور.. appeared first on الجزائر.



المصدر

عن الكاتب