نظرة قاصرة للاستثمار في الصحة

نظرة قاصرة للاستثمار في الصحة


يسمعنا وزراء المالية في الدول المختلفة مر الشكوى من حجم الإنفاق على القطاع الصحي وعن دور هذا القطاع في تضخم عجز موازنات الدول، متجاهلين تماما الآثار الإيجابية التي تنتج عن الاستثمار في الصحة.

لقد شهد جيل أوائل الألفية الثالثة تطورا ملموسا في مجال المؤشرات الصحية، حيث تم خفض عدد وفيات الأطفال اليوم بمقدار سبعة ملايين طفل على مستوى العالم مقارنة بالعام 1990 كما زاد متوسط العمر المتوقع للأطفال الذين يولدون اليوم بحوالي 6 سنوات مقارنة بأقرانهم مواليد العام 1990، وتعزى هذه النجاحات إلى الاستثمار الكبير في قطاع الرعاية الصحية الذي حدث في النصف الثاني من القرن المنصرم، لكن ما يدعو للقلق أن تؤدي هذه النجاحات إلى قيام صانعي القرار بالإمساك عن الإنفاق على الصحة وتوجيه الأموال المخصصة لها إلى أماكن أخرى يرونها أكثر إلحاحا.

فالإنفاق على الصحة يشكل استثمارا إيجابيا يعزز الرفاه الاقتصادي للأفراد والمجتمعات وليس عبئا على الاقتصاد، حيث تؤدي مؤشرات الصحة الإيجابية إلى تحسن ملموس في التحصيل الدراسي عند الأطفال ومن ثم تحسين إنتاجيتهم وقدرتهم على المنافسة في سوق العمل، كما يرفع من نسبة السكان المنتجين مما يعزز دخل الفرد والأسرة، ومن ثم يساهم في رفد إجمالي الناتج المحلي.

لكن الذي نشهده من قبل الكثيرين من القائمين على موازنات الدول النظرة القاصرة في حسابهم للناتج المحلي الإجمالي، وذلك بإغفال القيمة المضافة للمكاسب الصحية وخاصة في عدم احتساب السنوات المضافة لمتوسط العمر كجزء من هذا الناتج، متجاهلين الأثر غير المباشر للاستثمار في الصحة. من هنا يأتي مفهوم “الدخل الشامل” الذي يأخذ بعين الاعتبار القيمة المترتبة على زيادة متوسط العمر، بالإضافة إلى إجمالي الناتج المحلي عند تقييم دخل الدول.

في غياب الإنفاق الكافي على الصحة، سيجد الكثير من الأفراد أنفسهم في مواجهة خيارين أحلاهما مر، إما المرض والموت المحتمل أو الافلاس المالي، وهذا ما يؤدي سنويا بحياة عشرات الملايين من البشر في مختلف دول العالم بما فيها الغنية منها.

تشهد دول العالم النامي مرحلة انتقال ديموغرافي من الكتل السكانية الشابة إلى المسنة، مما يؤدي إلى انتقال عبء الأمراض من السارية إلى الأمراض غير السارية، وما لم تسارع هذه الدول إلى اتخاذ التدابير المناسبة للحد من هذه الأمراض، فستشهد حتما انكماشا اقتصاديا بسبب تناقص عدد الأفراد في سن العمل أو ما يسمى “الضريبة الديموغرافية”، فهذا التغير الديموغرافي الذي لم يستطع العالم المتقدم أن يستوعبه بالكامل، بعد رغم حدوثه بوتيرة أكثر بطأ وعلى مدى قرنين من الزمن، تجد الدول النامية نفسها مضطرة لمواجهته في عقدين من الزمن.

لن يكون بإمكاننا استيعاب هذه التغيرات السريعة ما لم ننظر إلى الإنفاق على الصحة كاستثمار في الحاضر والمستقبل، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا الصحية بتوجيه الأموال إلى التدخلات الأكثر فاعلية.

 

عن صحيفة الغد الأردنية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “عربي21”



المصدر : عربي21

عن الكاتب